السيد عباس علي الموسوي
336
شرح نهج البلاغة
والرابع : أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها تؤدي حقها . والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ منهما لحم جديد . السادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، فعند ذلك تقول استغفر اللّه . . . وهذا الحديث الشريف من الإمام يكشف لنا حقيقة التوبة وجوهرها وما يتبعها من الواجبات التي يجب أن تتوفر فيها كي تقع صحيحة . . . كل ذنب قابل للتوبة : أريد أن ألفت النظر هنا إلى أن كل ذنب يقبل التوبة ، وليس في المقام ذنب لا يغفر ، بل إن الذنوب كلها قابلة للتوبة صغيرها وكبيرها مهما تصور الإنسان كبر الذنب وشدته ومهما عظم في عينه وتضخم عنده ، فعند اللّه ليس كبيرا ولا جليلا إذا تداركته التوبة الصحيحة والرجوع إلى اللّه رجوعا سليما ، فإن قدرة اللّه لا يعجزها ذنب خاطئ أو انحراف منحرف إذا عاد إليه واستغفره وتاب . . . قال تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إنِهَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 1 ) فهذه الآية الكريمة تفصح أن اللّه يغفر الذنوب جميعا فليس عند العصاة من ذنب مهما عظم إلا وهو قابل للتوبة واللّه يقبلها إذا استكملت شروطها . . . وإن العصاة مهما كانت جرائمهم يجب أن يضعوا في تصورهم أن اللّه يغفرها إذا صدقوا في توبتهم ولا يظنن أن جرمهم أكبر من عفوه فظنهم ذاك أكبر من خطيئتهم لأن هذا الظن فيه تحديد لصلاحية اللّه وقدرته من جهة وفيه تكذيب لصريح هذه الآية الكريمة التي تنطق بكل صراحة بقبول كل الذنوب للمغفرة . . . إن القنوط من رحمة اللّه واليأس من مغفرته أكبر من الذنب وأشد ، وهذا التصور يجب أن يضعه الإنسان أمامه ويتحرك على أساسه ولذا نهى اللّه عن القنوط من رحمته كما نهى عن اليأس منها كما قال : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللّهِ إنِهَُّ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 2 ) .
--> ( 1 ) سورة الزمر ، آية - 53 . ( 2 ) سورة يوسف ، آية - 87 .